الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
53
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فقوله : « أحياء » هو خبر مبتدأ محذوف وهو كلام مستأنف بعد بَلْ الإضرابية . وإنما قال : وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ للإشارة إلى أنها حياة غير جسمية ولا مادّيّة بل حياة روحية ، لكنها زائدة على مطلق حياة الأرواح ، فإن للأرواح كلها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التجسد في الحشر مع إحساس ما بكونها آئلة إلى نعيم أو جحيم ، وأما حياة الذين قتلوا في سبيل اللّه فهي حياة مشتملة على إدراكات التنعم بلذات الجنة والعوالم العلوية والانكشافات الكاملة ، ولذلك ورد في الحديث « إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر ترعى من ثمر الجنة وتشرب من مائها » . والحكمة في ذلك أن اتصال اللذات بالأرواح متوقف على توسط الحواس الجسمانية ، فلما انفصلت الروح عن الجسد عوّضت جسدا مناسبا للجنة ليكون وسيلة لنعيمها . [ 155 ، 157 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 155 إلى 157 ] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ . عطف : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ على قوله : اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 153 ] عطف المقصد على المقدمة كما أشرنا إليه قبل ، ولك أن تجعل قوله : وَنَبْلُوكُمْ عطفا على قوله : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [ البقرة : 150 ] الآيات ليعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند اللّه لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها ، وأن تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان ومحبة اللّه تعالى والتسليم لقضائه فينالون بذلك بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة اللّه ويزدادون به رفعة وزكاء ، ويزدادون يقينا بأن اتّباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حظوظ في الدنيا ، وينجر لهم من ذلك ثواب ، ولذلك جاء بعده وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ وجعل قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 153 ] الآية بين هذين المتعاطفين ليكون نصيحة لعلاج الأمرين تمام النعمة والهدى والابتلاء ، ثم أعيد عليه ما يصير الجميع خبرا بقوله : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . وجيء بكلمة ( شيء ) تهوينا للخبر المفجع ، وإشارة إلى الفرق بين هذا الابتلاء وبين الجوع والخوف اللذين سلطهما اللّه على بعض الأمم عقوبة ، كما في قوله : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [ النحل : 112 ] ولذلك جاء هنا بكلمة ( شيء ) وجاء